بدأت القصة عندما دعاني أحد أصدقائي غير العاديين للعشاء و تبادل أطراف الحديث في منزلهم و لبيت الدعوة بكل سرور خصوصا أنني لم ألتقي به منذ مدة طويلة ، كان ذلك ليلة السبت عندما وصلت إلى المنزل في الوقت المحدد بمنطقة لا يفصلها عن البحر إلا أمتار قليلة أعرف المنطقة جيداً فهنا عشت كل طفولتي ولي بها علاقة خاصة جداً .
استقبلني صديقي هذا بحفاوته المعتادة جلسنا بمكان يطل على البحر كان الجو دافئاً نوعا ما رغم أن الفصل فصل شتاء ، أعد المكان كما عرفته جيدا لم ينس كل التفاصيل و حتى الإضاءة كانت خافتة يضفي عليها صوت الأمواج طقوساً خاصة ، وعدني أننا سنكون لوحدنا و أنه سيحترم كما العادة اختياراتي لكنه لم يف بعهده يبدو أنه قد نسي أو تناسى كانت حاضرة هي تتوسط المكان أعرفها جيداً ، كانت في حليتها المغرية كما العادة ، تجاهلتها مع بداية حديثنا ، بعدها استأذنني صديقي لإحضار بعض الحاجيات من الطابق السفلي ، عندها بقيت لوحدي معها لا أعرف لم و لكنني نظرت إليها مباشرة بعد أن ذهب كانت المرة الأولى نظرة ازدراء ، و لكن المرة الثانية نظرت إليها جيداً... قاومت... ثم قاومت... لكنني في الأخير اقتربت منها... كانت تلمع.. كانت في حلتها البهية ... قلت لنفسي لم لا مرة واحدة منذ زمن طويل... لا أعرف لكن صدقوني كان أول شيء مر بمخيلتي صور الشيخ أحمد ياسين ، إيمان حجو ، الدرة ،أبو هنود ، و الشهداء لكن صورة فارس عودة ظلت ماثلة أمامي، خرجت من ذلك و أعدت النظر فيها أتعرفون لقد خيل لي أنني رأيت الدم خيل لي أن قنينة الكوكا كولا تلك و قد ملئت بالدم، نعم دم فلسطين قد أكون كثير التخيلات بين الفينة و الأخرى لكن صدقا ذلك ما رأيت، هاته المرة كادت توقع بي كادت أن تغويني، عاد صديقي ذكرت له ما حدث ، قال لي أنت من بين قلة قليلة جدا لازالت تسبح ضد التيار، فكانت مناسبة لنقاش ساخن حول فلسطين و القضية و الأمة و الشعب و النخب، كنت و لازالت متيقنا من جدوائية المقاطعة رغم كل ما يقال، و يحبط من أهمية الخسائر التي قد تلحق بالإقتصاد الأمريكي و لكن نحن نتحدث أساسا عن مبدأ و ليس قيمة ولأنني لم استطع أن أتخلص من الشعور بالدهشة أو الصدمة لدى نقاشي مع أحد " النخب الشابة" عن المقاطعة و المقاومة فإنني سأستهل حديثي هذا بإطلالة سريعة لما يجري خارج ديار العروبة و الإسلام و بالخصوص بأوروبا فربما ستشاركونني الدهشة:
في إحدى القرى الصغيرة (هنتشلي وود) بمقاطعة ساري الإنجليزية رابط السكان أمام إحدى البنايات على مدى 18 شهرا متصلة لمنع إحدى الشركات الأمريكية من إقامة فرع لمطاعمها هناك باعتبار أن ذلك نوع من الاختراق والعدوان علي نمط الغذاء المحلي وهو ما رفضه الناس وأصروا على مقاومته ومقاطعته وفي دفاعهم عن خصوصية أطعمتهم وهويتهم بالتالي فإنهم لجئوا إلى تلك الخطوة لعدم تمكين الشركة من اختراق حياتهم وإزاء ذلك الإصرار الذي لم يتزحزح الناس عنه طيلة سنة ونصف السنة لم تجد الشركة مفرا من التراجع فألغت عقد الإيجار الذي كانت قد أبرمته مع الشركة مالكة البناية ورحلت عن قرية هنتشلي وود غير مأسوف عليها.(1)
وفي شهر يوليوز 2006 أقدمت مجموعة فرنسية تطلق علي نفسها اسم جبهة المقاومة ضد الاضطهاد الرأسمالي على خطف الدمية التي ترمز إلى شبكة المطاعم الأمريكية من أمام أحد فروعها في مدينة سانت الفرنسية وأصدرت الجبهة بيانا خفيف الظل لكنه عميق الدلالة قالت فيه إن الدمية في صحة جيدة ولا تقدم إليها المأكولات سوى اللحوم المعدة على الطريقة الفرنسية و الأجبان وحددت الجبهة مطالبها في ضرورة إضفاء الطابع الفرنسي على تلك المطاعم من قبيل أن تستخدم المطاعم جبنة الـ كامامبير الفرنسية وان يرتدي العاملون فيها الزي التقليدي لمنطقة شارانت حيث تقع مدينة سانت وأن تضع على طاولاتها شوكا وسكاكين ومفارش عليها مربعات على غرار المطاعم الفرنسية التقليدية.
ذكر التقرير الذي نشرته صحيفة الحياة اللندنية حول الموضوع في19/10 أن النبأ كان يمكن أن يبقى في خانة الطرائف لولا أجواء الاحتقان والتعبئة السائدة في عدد من الأوساط الفرنسية ضد المساعي التي ترى أن هدفها أمركة فرنسا بإلغاء ثقافتها والقضاء على اقتصادها، ومقاومة الأمركة تجاوزت مسألة خطف الدمية وإنما ذهبت إلى ماهو أبعد ففي شهر غشت 2005 قام رئيس نقابة الكونفدرالية الزراعية في فرنسا ـ اسمه جوزيه يوفيه ـ مع بعض رفاقه بتحطيم واجهة ومحتويات المطعم الأمريكي في بلدة مير في تحد معلن لرموز الهيمنة الأمريكية وقد أقدم يوفيه علي تلك الخطوة اثر الخلاف الذي وقع بين واشنطن وباريس حول مسألة الاستيراد والتصدير الذي أقدمت خلاله الولايات المتحدة على فرض حظر على بعض المنتجات الزراعية الفرنسية.
منذ حدثت واقعة تحطيم مطعم ماكدونالد تحول جوزيه يوفيه إلى بطل شعبي في فرنسا وأصبح أحد نجوم الساحة السياسية باعتباره قائدا لمقاومة الاجتياح الأمريكي ولذلك فثمة حملة واسعة للتضامن معه وتأييده خصوصا في القضية التي رفعتها الشركة الأمريكية ضده جراء ما أقدم عليه.
منذ حدثت واقعة تحطيم مطعم ماكدونالد تحول جوزيه يوفيه إلى بطل شعبي في فرنسا وأصبح أحد نجوم الساحة السياسية باعتباره قائدا لمقاومة الاجتياح الأمريكي ولذلك فثمة حملة واسعة للتضامن معه وتأييده خصوصا في القضية التي رفعتها الشركة الأمريكية ضده جراء ما أقدم عليه.
مجلة نيوزويك الأمريكية نشرت في عدد7/11 2006 تغطية واسعة للحملة ضد سلسلة المطاعم الأمريكية التي لها نحو خمسة آلاف فرع في القارة الأوروبية وتوفر ربع مليون فرصة عمل لأبناء أقطارها ، مع ذلك فحملة مقاومتها شعبيا متصاعدة خصوصا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا ولتحسين سمعتها فان الشركة الأمريكية عملت على إضفاء الطابع المحلي على ما تقدمه من أطعمة وحرصت في حملة إعلانات مضادة نظمتها لتأكيد أنها من مواليد الولايات المتحدة فحسب ولكن ما تقدمه هو صناعة محلية.
بقلم: سمير نمر